عبد الرحمن بن ناصر السعدي

762

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

* ( وإن تصبهم سيئة ) * أي : مرض ، أو فقر ، أو نحوهما * ( بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ) * أي : طبيعته كفران النعمة السابقة ، والتسخط لما أصابه ، من السيئة . * ( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ) * هذه الآية ، فيها الإخبار عن سعة ملكه تعالى ، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء ، والتدبير لجميع الأمور . حتى أن تدبيره تعالى ، من عمومه ، أنه يتناول المخلوقة عن الأسباب لولادة الأولاد ، فالله تعالى هو الذي يعطيهم من الأولاد ما يشاء . فمن الخلق من يهب له إناثا ، ومنهم من يهب له ذكورا . ومنهم من يزوجه ، أي : يجمع له ذكورا وإناثا . ومنهم من يجعله عقيما ، لا يولد له . * ( إنه عليم ) * بكل شيء * ( قدير ) * على كل شيء ، فيتصرف بعلمه وإتقانه الأشياء ، بقدرته في مخلوقاته . * ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم * وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ول كن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) * لما قال المكذبون لرسل الله ، الكافرون بالله : * ( لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ) * من كبرهم وتجبرهم ، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة ، وبين أن تكليمه تعالى ، لا يكون إلا لخواص خلقه ، للأنبياء والمرسلين ، وصفوته من العالمين ، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه . إما * ( أن يكلمه الله وحيا ) * بأن يلقي الوحي في قلب الرسول ، من غير إرسال ملك ، ولا مخاطبة منه شفاها . * ( أو ) * يكلمه منه شفاها لكن * ( من وراء حجاب ) * كما حصل لموسى بن عمران ، كليم الرحمن . * ( أو ) * يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي * ( يرسل رسولا ) * كجبريل أو غيره من الملائكة . * ( فيوحي بإذنه ) * أي : بإذن ربه ، لا بمجرد هواه * ( ما يشاء ) * . * ( إنه ) * تعالى * ( علي ) * الذات على الأوصاف ، عظيمها على الأفعال ، قد قهر كل شيء ، ودانت له المخلوقات . * ( حكيم ) * في وضعه كل شيء موضعه ، من المخلوقات والشرائع . * ( وكذلك ) * حين أوحينا إلى الرسل قبلك * ( أوحينا إليك روحا من أمرنا ) * وهو : هذا القرآن الكريم ، سماه روحا ، لأن الروح يحيا به الجسد ، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح ، وتحيا به مصالح الدنيا والدين ، لما فيه من الخير الكثير ، والعلم الغزير . وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين ، من غير سبب منهم ، ولهذا قال : * ( ما كنت تدري ) * أي : قبل نزوله عليك * ( ما الكتاب ولا الإيمان ) * أي : ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة ، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية ، بل كنت أميا ، لا تخط ولا تقرأ . فجاءك هذا الكتاب الذي * ( جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) * يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع ، والأهواء المردية ، ويعرفون به الحقائق ، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم . * ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) * أي : تبينه لهم وتوضحه ، وترغبهم فيه ، وتنهاهم عن ضده ، وترهبهم منه ثم فسر الصراط المستقيم فقال : * ( صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) * أي : الصراط الذي نصبه الله لعباده ، وأخبرهم أنه موصل إليه وإلى دار كرامته . * ( ألا إلى الله تصير الأمور ) * أي : ترجع جميع أمور الخير والشر ، فيجازي كلا بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . سورة الزخرف * ( ح م * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم * أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) * هذا قسم بالقرآن ، فأقسم بالكتاب المبين ، وأطلق ، ولم يذكر المتعلق ، ليدل على أنه مبين لكل ما يحتاج إليه العباد من أمور الدنيا والدين والآخرة . * ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) * هذا هو المقسوم عليه ، أنه جعل بأفصح اللغات وأوضحها ، وأبينها ، وهذا من بيانه . وذكر الحكمة في ذلك فقال : * ( لعلكم تعقلون ) * ألفاظه ومعانيه لتيسرها وقربها من الأذهان . * ( وإنه ) * أي : هذا الكتاب * ( في أم الكتاب لدينا ) * أي : في الملأ الأعلى في أعلى الرتب وأفضلها * ( لعلي حكيم ) * أي : لعلي في قدره ، وشرفه ، ومحله ، حكيم فيما يشتمل عليه ، من الأوامر ، والنواهي ، والأخبار ، فليس فيه حكم مخالف للحكمة ، والعدل ، والميزان . ثم أخبر تعالى أن حكمته وفضله ، تقتضي أن لا يترك عباده هملا ، لا يرسل إليهم رسولا ، ولا ينزل عليهم كتابا ، ولو كانوا مسرفين ظالمين فقال : * ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) * أي : أفنعرض عنكم ، ونترك إنزال الذكر إليكم ونضرب عنكم صفحا ، لأجل إعراضكم ، وعدم انقيادكم ؟ بل ننزل عليكم الكتاب ، ونوضح لكم فيه كل شيء . فإن آمنتم به واهتديتم ، فهو من توفيقكم ، وإلا ، فقد قامت عليكم الحجة وكنتم على بينة من أمركم . * ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا